الشوكاني

379

فتح القدير

وذكر بعض أهل العلم أن بعد بمعنى مع كما في قوله - عتل بعد ذلك زنيم - ، وقيل بعد بمعنى قبل كقوله - ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر - أي من قبل الذكر ، والجمع الذي ذكرناه أولى ، وهو قول ابن عباس وغير واحد ، واختاره ابن جرير . يقال دحوت الشئ أدحوه : إذا بسطته ، ويقال لعش النعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض ، وأنشد المبرد : دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبي الصلت : وبث الخلق فيها إذ دحاها * فهم قطانها حتى التنادي وقال زيد بن عمرو بن نفيل : وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا دحاها فلما استوت شدها * بأيد وأرسى عليها الجبالا قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال ، وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو السماك وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) أي فجر من الأرض الأنهار والبحار والعيون " وأخرج منها مرعاها " : أي النبات الذي يرعى ، ومرعاها مصدر ميمي : أي رعيها ، وهو في الأصل موضع الرعي ، والجملة إما بيان وتفسير لدحاها ، لأن السكنى لا تتأتي بمجرد البسط بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب . وإما في محل نصب على الحال ( والجبال أرساها ) أي أثبتها في الأرض وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقر وأن لا تميد بأهلها . قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال . وقرأ الحسن وعمرو ابن ميمون وأبو حيوة وأبو السماك وعمرو بن عبيد ونصر بن عاصم بالرفع على الابتداء ، قيل ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم الإرساء عليه للاهتمام بأمر المأكل والمشرب ( متاعا لكم ولأنعامكم ) أي منفعة لكم ولأنعامكم من البقر والإبل والغنم ، وانتصاب متاعا على المصدرية : أي متعكم بذلك متاعا ، أو هو مصدر من غير لفظه ، لأن قوله ( أخرج منها ماءها ومرعاها ) بمعنى متع بذلك ، أو على أنه مفعول له : أي فعل ذلك لأجل التمتيع ، وإنما قال " لكم ولأنعامكم " لأن فائدة ما ذكر من الدحو وإخراج الماء والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم ، والمرعى يعم ما يأكله الناس والدواب ( فإذا جاءت الطامة الكبرى ) أي الداهية للعظمى التي تطم على سائر الطامات . قال الحسن وغيره : وهي النفخة الثانية . وقال الضحاك وغيره : هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شئ لعظم هولها . قال المبرد : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع ، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما : إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء : إذا ملأ النهر كله . وقال غيره : هو من طم السيل الركية : أي دفنها ، والطم الدفن . قال مجاهد وغيره : الطامة الكبرى هي التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها ، وجواب إذا قيل هو قوله - فأما من طغى - وقيل محذوف : أي فإن الأمر كذلك ، أو عاينوا ، أو علموا أو أدخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة . وقال أبو البقاء : العامل فيها جوابها ، وهو معنى " يومئذ يتذكر الإنسان " فإنه منصوب بفعل مضمر : أي أعني يوم يتذكر ، أو يوم يتذكر يكون كيت وكيت . وقيل إن الظرف بدل من إذا ، وقيل هو بدل من الطامة الكبرى ، ومعنى تذكر الإنسان ما سعى : أنه يتذكر ما عمله من خير أو شر ، لأنه يشاهده مدونا في صحائف عمله ، وما